عادل عبد الرحمن البدري
53
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
تشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ، وأوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج وأقلّهم تبرماً بمراجعة الخصم ، وأصبرهم على تكشّف الأمور ، وأصرمهم عند اتضاح الحكم ، ممّن لا يزد هيه إطراء ، ولا يستميله إغراء وأولئك قليل ، ثم أكثر تعاهد قضائه وافسح له في البذل ما يزيل علّته ، وتقلّ معه حاجته إلى الناس ، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك ، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك فانظر في ذلك نظراً بليغاً ، فإنّ هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار ، يُعمل فيه بالهوى ، وتُطلب به الدنيا . ثمّ انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ، ولا تولّهم محاباةً وأثرةً ، فإنّهما جماع من شعب الجور والخيانة . وتوخّ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة ، والقدم « 1 » في الإسلام المتقدّمة ، فإنّهم أكرم أخلاقاً وأصحّ أعراضاً ، وأقلّ في المطامع إشراقاً ، وأبلغ في عواقب الأمور نظراً ، ثمّ أسبغ عليهم الأرزاق ، فإنّ ذلك قوّة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجّةً عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك ، ثمّ تفقّد أعمالهم ، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم ، فإنّ تعاهدك في السر لأمورهم حدوة « 2 » لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعيّة . وتحفّظ من الأعوان ، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهداً ، فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله ثمّ نصبته بمقام المذلّة ووسمته بالخيانة ، وقلّدته عار التهمة . وتفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله ، فإنّ في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم ، ولا صلاح لمن سواهم إلّا بهم ، لأنّ الناس كلّهم عيال على الخراج وأهله . وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ، لأنّ ذلك لا يدرك إلّا بالعمارة ، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد ، وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلّا قليلا .
--> ( 1 ) القدم هنا يراد به الخطوة الأولى والحركة المتقدّمة للجيل الأوّل من المؤمنين . ( 2 ) الحدوة : التشجيع والسوق . ينظر اللسان ( حدا ) .